تُعد العناية بالتراث الإنساني والحفاظ عليه من أهم المرتكزات التي تقوم عليها هوية الشعوب وذاكرتها، إذ يشكّل التراث بمختلف أنواعه المادية والمعنوية سجلًا حيًّا يوثق مسيرة الحضارات ويعكس منظومة القيم والمعارف التي أرستها الأجيال السابقة.
وفي ظل ما يواجهه هذا الإرث من تحديات متعددة، سواء كانت بيئية أو بشرية أو تقنية، برزت حاجة ملحة إلى تبنّي أساليب علمية حديثة ومنهجيات مدروسة تسهم في حمايته وصيانته وضمان استمراره للأجيال القادمة، وتحتل المتاحف مكانة محورية في هذا الإطار.
ولما تتميز به بلاد الرافدين عن غيرها من البلدان بموروثها الحضاري الممتد منذ آلاف السنين، برزت العتبة العباسية المقدسة كإحدى المؤسسات الرائدة في مجال العمل المتحفي في البلاد.
تبنّت العتبة المقدسة، بعد عام 2003م، حسب توجيهات المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلاّمة السيد أحمد الصافي التأسيس للعمل المتحفي ووضع الخطوة الأولى للمتحف المتمثلة بافتتاح قاعة للعرض المتحفي عام 2009م، ومن ثم تأسيس قسم متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات عام 2014م، وتبنّي رؤية متكاملة تقوم على الجمع بين أصالة الموروث الحضاري والتقنيات الحديثة في إدارة المقتنيات.حرص المتحف على تطوير منظومة عمل متقدمة تشمل أساليب خزن مبتكرة، وأنظمة توثيق دقيقة، وبرامج صيانة دورية قائمة على أسس علمية تضمن الحفاظ على سلامة القطع وإطالة عمرها الزمني.
في هذا التقرير نسعى إلى تسليط الضوء على أبرز الاستراتيجيات والآليات التي يعتمدها متحف الكفيل في حفظ مقتنياته وصيانتها، مع بيان الدور الحيوي الذي يؤديه في صون الإرث الثقافي والحضاري.
كيف تُحفظ كنوز المتحف؟في إطار خزن القطعة المتحفية وحفظها، يعتمد متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات طرائق حديثة في الخزن تضمن الحفاظ عليها من أي ضرر محتمل، باعتماد حلول علمية دقيقة.
وحول عملية حفظ المقتنيات وآخر جهوده في هذا المجال المتمثلة بحفظ أكثر من 3 آلاف قطعة متنوعة من الأسلحة البيضاء، يوضح رئيس قسم المتحف السيد نافع الموسوي، أنّ المتحف يعتمد طرائق متقدمة في حفظ الأسلحة البيضاء، وقد صُممت عارضات تضم هذه القطع بطريقة دقيقة تتيح إدخال نصل القطعة (هو الجزء المعدني القاطع والمدبب في السيف، السكين، أو الرمح) بشكل آمن وثابت، ويمنع حركتها أو احتكاكها ببقية النفائس.
ويضيف، أنّ "اعتماد هذه الطريقة يأتي في إطار تطوير منظومة العمل المتحفي والارتقاء بأساليب الحفظ والخزن، وهو ثمرة جهود متواصلة تبذلها ملاكات القسم للحفاظ على المقتنيات وصيانتها وفق أفضل الممارسات المعتمدة، مما يضمن ديمومتها وقيمتها التاريخية".
يكمل مسؤول شعبة المخزن السيد حسن هادي الحديث عن حفظ هذه القطع بالقول: إنّ "كل قطعة تُزود ببطاقة تعريفية خاصة تحمل رقمًا متحفيًّا، مما يسهم في تسهيل عمليات التوثيق والجرد، وتعزيز دقة التنظيم داخل المخازن، فضلاً عن أنّ النظام المعتمد يوفر مساحات خزن كافية لاستيعاب آلاف القطع ضمن حيز محدود بطريقة منظمة وآمنة".كيف تُصان مقتنيات المتحف؟
يولي متحف الكفيل اهتمامًا بالغًا بعمليات الفحص والصيانة الدورية، لمتابعة حالة القطع بصورة مستمرة، والتدخل المبكر لمعالجة أي تأثيرات قد تهدد سلامتها، وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور المختبر في تطبيق معايير متخصصة تضمن ديمومة المقتنيات وصونها للأجيال القادمة.
يقول مسؤول شعبة المختبر في قسم المتحف، السيد سجاد حسن علي: إنّ "متحف الكفيل يُجري أعمال الكشف الدوري على مقتنياته، إذ تتولى ملاكات الشعبة تنفيذ عمليات الفحص داخل مخزن النفائس وقاعة العرض المتحفي؛ بهدف تشخيص القطع المتأثرة بالعوامل البيئية أو التي تحتاج إلى صيانة ومعالجة".ويضيف، أنّ "القطع المشمولة بالصيانة تُحدد وفق معايير فنية معتمدة تضمن دقة التشخيص وسلامة الإجراءات، إذ تُنفذ هذه العمليات أربع مرات سنويًّا لضمان المتابعة المستمرة لحالة المقتنيات"، مبينًا أنّ "المقتنيات تُصنف إلى مواد عضوية وغير عضوية، ليتعامل معها بما يتناسب مع طبيعتها وخصائصها، إذ تسهم هذه الآلية في الحفاظ على سلامة المقتنيات وإطالة عمرها الزمني، بما يعزز جهود صون التراث للأجيال القادمة".
شراكات تحفظ الذاكرة التراثية
ولا يقتصر عمل المتحف على الصيانة الداخلية فقط، بل إنّ لمتحف الكفيل باعًا طويلًا في التعاون مع العتبات المقدسة في مجال العمل المتحفي، يتمثل بتبادل الزيارات والخبرات بين المتاحف، والتنسيق العلمي والفني فيما يخص إنشاء قاعات العرض المتحفي وتطويرها، واختيار القطع المناسبة للعرض، وإقامة الدورات التدريبية وتأهيل الملاكات، وأعمال الصيانة والترميم للمقتنيات الأثرية.
وعن التعاون مع العتبات المقدسة، يقول معاون رئيس قسم المتحف الدكتور شوقي الموسوي: إنّ المتحف أبرم في الفترة الأخيرة مذكرات تعاون مع عدد من المؤسسات المتحفية، وعلى وجه الخصوص العتبة الكاظمية المقدسة والعتبة العسكرية المقدسة؛ بهدف تأسيس متاحف تابعة لهما، إذ افتُتح متحف العتبة الكاظمية المقدسة، ومن المؤمل افتتاح متحف العتبة العسكرية قريبًا.ويضيف في حديثه عن آخر الأعمال، أنّ ملاكات القسم باشرت عملية تركيب عارضات مقتنيات العتبة العسكرية المقدسة، وتركيب زجاجها وملاحقها، إلى جانب نصب عدد من العارضات الجديدة، تمهيدًا لعرض المقتنيات.
وأوضح أنّ "هذه الأعمال تأتي في إطار السعي إلى إبراز تراث العتبة العسكرية المقدسة، بما يتوافق مع أحدث الأساليب المتبعة في عرض المقتنيات المتحفية وحفظها".
وبيّن مسؤول شعبة المخزن السيد حسن هادي، أنّ عدد القطع التي أُجريت لها أعمال الصيانة بلغ 263 قطعة متحفية، إذ تضمّنت الأعمال صيانة القطع المتضررة، وإعادة تأهيل الهياكل المعدنية والخشبية، إلى جانب تنفيذ عمليات التنظيف والتلميع، فضلًا عن إجراء اختبارات فنية للتحقق من كفاءة القطع بعد إكمال أعمال الصيانة.
وإلى العتبة الكاظمية المقدسة، فقد أنجز القسم صيانة 166 قطعة متحفية، تضمّنت تنفيذ مجموعة من الأعمال الفنية، شملت تنظيف القطع وإعادة تأهيلها، ومعالجة الأضرار ومظاهر التآكل، فضلًا عن تثبيت بعض الأجزاء وإعادة تركيبها، إلى جانب إجراء الفحوصات الفنية اللازمة لضمان جودة العمل والحفاظ على سلامة القطع، وفق هادي.
كم عدد القطع المتحفية في متحف الكفيل؟
يضم متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات ثروة متحفية كبيرة ومتنوّعة تعكس عمق الإرث الحضاري وتعدد مجالاته، إذ تزيد مجموع مقتنياته على 25,000 قطعة متحفية، موزّعة على 64 مجموعة متحفية مختلفة، تغطي طيفًا واسعًا من الفنون والصناعات والمواد التاريخية، وفق مسؤول المخزن.وأضاف، أنّ هذه المجموعات تشمل أنواعًا متعددة من المقتنيات، من بينها الأسلحة بمختلف أصنافها كالسيوف والخناجر والبنادق، إلى جانب الأواني المعدنية والفخارية، والحُلي والزخارف، والعملات، والمسكوكات، فضلًا عن الأدوات اليومية والتراثية، مثل الساعات والأقفال والأختام واللوحات، والمخطوطات، والأجزاء المعمارية، إضافة إلى مقتنيات ذات طابع وظيفي وزخرفي، تعكس مهارة الصناعات التقليدية ودقة الحِرف اليدوية وغيرها التي توثّق أنماط الحياة في فترات تاريخية متعاقبة.
وأكد أنّ المتحف يحتفظ بمجموعة كبيرة من الطوابع البريدية، يبلغ عددها أكثر من 28 ألف طابع تُعد من المجموعات المتخصصة التي توثق جوانب مهمة من التاريخ البريدي والثقافي.
رسالة متحف الكفيل
قال الدكتور شوقي الموسوي: إنّ رسالة المتحف تتمثل في حفظ التراث الإسلامي عبر صيانته وترميمه وخزنه وأرشفته، وفق أساليب متحفية معتمدة عالميًّا، بما يضمن الحفاظ على هذا الإرث الإنساني للأجيال القادمة.
وأضاف الموسوي أنّ المتحف لا يقتصر دوره على عرض المقتنيات فقط، بل يسعى إلى أن يكون مركزًا علميًّا وثقافيًّا يُعنى بدراسة النفائس والمقتنيات بأسلوب أكاديمي، بما يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي بالثقافة المتحفية، وتعريف الجمهور بالموروث والتراث العالمي، فضلًا عن خدمة الأوساط الأكاديمية والباحثين المتخصصين بالشأن المتحفي والأثري والثقافي.
وفيما يتعلق بمرحلة تطوير أعمال المتحف ومخطط التوسعة، أوضح الموسوي أنّ المتحف سعى في السنوات الماضية إلى تطوير برامجه عبر إقامة أربعة مؤتمرات دولية علمية في الشأن المتحفي والأثري، وتنظيم أكثر من عشرة ندوات علمية وثقافية، فضلًا عن إصدار مجلة متحف الكفيل الثقافية بنسختها النصف السنوية، وإقامة معارض دورية وورش فنية متخصصة.واختتم الموسوي حديثه بالإشارة إلى أنّ المتحف يواصل حاليًا تنفيذ مشروع بنايته الجديدة المؤلفة من ستة طوابق بتصميم وطراز إسلامي، بما يعكس حجم التوسع في أعماله وانسجامه مع رسالته في حفظ التراث وإحيائه.ويُتوج المبنى بمنارة يبلغ ارتفاعها نحو 80 مترًا، ما يمنحه حضورًا بصريًّا بارزًا، ويعزز من مكانته كصرح ثقافي يعكس الإرث الحضاري بأساليب عرض متطورة.في ختام هذا العرض، يتبيّن أنّ متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات لا يقتصر دوره على حفظ المقتنيات بوصفها شواهد صامتة على الماضي، بل يتجاوز ذلك ليكون مؤسسة حية تعيد إحياء التراث وتمنحه بعدًا معرفيًّا وثقافيًّا متجددًا.
فعن طريق اعتماد أحدث الأساليب العلمية في الخزن والصيانة، وتعزيز التعاون مع المؤسسات المتحفية، يسهم المتحف في ترسيخ ثقافة الحفاظ على الإرث الحضاري وصيانته وفق معايير عالمية.
وهكذا يغدو المتحف جسرًا يربط الماضي بالحاضر، وحارسًا أمينًا لذاكرة الأمة، بما يضمن انتقال هذا الإرث الثمين إلى الأجيال القادمة بوصفه مصدر فخر وهوية واستمرار.

